ابن عجيبة
519
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم وصف التوراة بقوله : إِماماً . أي : مؤتما به في الدين ، لأجله ، وَرَحْمَةً على المنزل عليهم . أُولئِكَ أي : من كان على بينة من ربه ، يُؤْمِنُونَ بِهِ أي : بالقرآن ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ : كأهل مكة ، ومن تحزب منهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يدخلها لا محالة ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ؛ شك مِنْهُ أي : من ذلك الموعد ، أو القرآن ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الثابت وقوعه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ؛ لقلة نظرهم ، وإخلال فكرتهم . الإشارة : لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران ، أولهما : التوبة النصوح ، والثاني : الزهد التام . فإذا تحقق فيه الأمران كان على بينة من ربه . وهي درجات ؛ أولها : بينة ناشئة عن صحيح النظر والاعتبار ، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية ، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب ، وهم : أهل الدليل والبرهان . وثانيها : بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات ، فخرقت لهم العوائد الحسيات فرأوا كرامات وخوارق عادات ، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان ، مع رقة الحجاب والوقوف بالباب . وهم : العبّاد ، والزهاد ، والصالحون من أهل الجد والاجتهاد . وثالثها : بينة ناشئة عن الذوق والوجدان ، والمكاشفة والعيان ، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ ، فتأدبوا وتهذبوا ، وشربوا خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم ؛ فغابوا عن الأكوان بشهود المكون . فهم يستدلون باللّه على غيره . قدّسوا الحق أن يحتاج إلى دليل ، وهؤلاء هم الأفراد وخواص العباد ، وإليهم أشار الشاعر بقوله : الطّرق شتّى وطريق الحقّ مقفرة * والسّالكون طريق الحقّ أفراد لا يعرفون ولا تدرى مسالكهم * فهم على مهل يمشون قصّاد والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم * فجّلهم عن سبيل الحق رقّاد وقال في القوت : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي : من شهد مقام اللّه - عز وجل - بالبيان ، فقام له بشهادة الإيقان ، فليس هذا كمن زين له سوء عمله ، واتبع هواه ، فآثره على طاعة مولاه . بل هذا قائم بشهادته ، متبع لشهيده ، مستقيم على محبة معبوده . ه . وقال الورتجبي : تقدير الآية على وجه الاستفهام : أفمن كان على بينة من ربه ؛ كمن هو في الضلالة والجهالة ؟ أفمن كان على معرفة من ربه ، وولاية وسلامة وكرامة ، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه ، وعقله وسره ، فأدرك فيض أنوار جماله ، وقربه ، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز من وجهه نور اللّه الساطع ، ويراه كل صاحب نظر ، قال تعالى : وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ، والبينة : بصيرة المعرفة ، والشاهد : بروز نور المشاهدة منه . وأيضا : البينة : كلام المعرفة . والشاهد : الكتاب والسنة . ثم قال عن الجنيد : البينة : حقيقة يؤيدها ظاهر العلم . ه .